شمس الدين السخاوي

228

الضوء اللامع لأهل القرن التاسع

في كل فن وتوسع في استكتاب ما يصدر من ذلك عن الفضلاء أو المتشبهين بهم إما بنفسه أو باستعمال مصنفه فيه وما كنت أفهم عنه في كثير من ذلك إلا التودد وإلا ففيه ما لا يخفى عن من هو دونه ولو تفرغ لالتحق بالأعلام ولكنه كان قائما لا ينهض به غيره حتى عول عليه الملوك فمن دونهم وديوان الجيش لا أعلم من يوازيه في استحضاره إياه وضبطه له متقن وترتيبه لبلاده وأسمائه بين بحيث كان يقول لي كثيرا فيه المتفق والمفترق والمؤتلف والمختلف ونحوهما من فنون الحديث ومع تعبه بسببه لا سيما بعد وفاة والده فقل أن تخلو أوقاته حين تفرغه منه عن مطالعة أو مذاكرة أو استفادة أو إفادة وقصده الأبناء بالعرض فكان يبرهم بما ينجبر به خاطرهم مما أعرض قضاة الوقت فضلا عن غيرهم عنه غالبا ويكتب لهم الكتابة الحسنة وربما كتب على الفتوى في بعض المسائل واقرأ الطلبة في العربية والفرائض والحساب والفقه ومما أقرأ فيه الروض لابن المقرئ بل سمعت أنه أقرأ في ألفية العراقي وهو جدير بالتلقيب بذي الرياستين . ولذا لقبته بها قديما ، وكان جمال أهله بل الممالك ولم تزل الفضلاء من أرباب المذاهب والفنون تهرع للقائه ويضرع من شاء الله منهم إلى الله في استمراره وبقائه لمعاملته لهم بالجميل ومسالمته للمبتدئ منهم والجليل وكان في فقرائهم من هو في البر عنده على مراتب فمنهم من تصله بالشهر أو بالموسم أو بالسنة أو بدون توقيت ، وكنت ممن أرى منه مزيد الإجلال والاحتفال وأسمع عنه في الغيبة شريف المقال مما يؤذن بالإخلاص في الإقبال حتى أنه رآني مرة وأنا عنده مفارق الطرق قريبا من باب القنطرة فترجل عن فرسه للسلام علي بحيث استحييت منه بل واستمر ماشيا معي إلى باب المدرسة المنكوتمرية وأنا أبالغ في كفه عن ذلك وهو يبالغ في التشوق والاستيحاش من انقطاعي عنه التمس مني غير مرة تعيين وقت للاجتماع به فما قدر إلا في النادر ولما صلى ولده المشار إليه بالناس عقب ختمه القرآن على العادة سألني في إنشاء خطبة له فامتثلت ووقعت عنده موقعا وأرسل خطه بالشكر عليها ثم أرسله هو وفقيهه السجيني لقراءتها وكذا أرسلهما مع أخويه لعرض محفوظاته وكان يسألني عن مواضع في الاصطلاح وغيره وطلب مني أن أكتب شرحا لمنظومة الكمال الدميري ، وراسلني وأنا بمكة بالاشتياق وطيب الكلام مع غيره مما يؤذن بالاهتمام وذلك وشبهه مما يعد في محاسنه وأضربت عن استيفائه للخوف من الإطالة لكونه أشرك معي غيري في الدعاء بطول البقاء فقلت له مثلكم يقرن معي هذا فقال والله هذا ظلم منا وفي الحقيقة أنتم أنتم